▪️ ما الذي يجعلك تكتب؛ هل هو اضطراب العالم أم سكون الذاكرة؟
_ الكتابة ترحالٌ ذاتي ووجودي في الداخل والخارج بحثاً عن الكينونة التي تجابه مصيرها المنتظر، وللتعبير عنها باللغة والخيال باعتبارهما الوسيلتين اللتين تشكلان القادرتين عن احتوائها وحمايتها من الفناء، وعلى الأساس أعد الكتابة مقاومة ضد كلّ ما يهدّد الموجود والوجود من انهيار حضاري وارتكاسة قيمية (من القيم). وعليه فالكتابة أثر ناجم عن التفاعل والتماهي الحاصل بين الداخل (الذات) والخارج (العالَم).
▪️ الكتاب الذي تمنيت لو كنت مؤلفه، ولماذا يمسُّ جوهر روحك؟
_ تمنيتُ لو كنتُ مؤلف رواية “1984” لجورج أورويل لأن ما عاشته شخصية وينستون سميث من معاناة وقهر نفسي سعيّاً من أجل الحفاظ على إنسانيته، ويتمتّع بعقل مستقل من خلال الصراع الذي خاضه ضدّ نظام شمولي يريد الهيمنة الكلّية على الفكر والحقيقة. لكن البطل فشل في نهاية المطاف في تحقيق مسعاه، ممّا يبيّن أن السلطة المطلقة لها القدرة على قتل الروح الإنسانية. والمسار الذي قطعته شخصية وينستون سميت داخل الرواية شبيهٌ بحياة الإنسان العربي الذي يوجد في محنة وجودية داخلية أليمة تحت رحمة الاستبداد المطلق.
▪️ أين تجد ملاذك حين تعجز الكلمات؟
_ عندما تعجز الكلمات أختار القراءة عزلة ومقاماً، حيث حتى تستعيد الكلمة نَفَسها وروحها الوثّابة، وأحيانا الهروب إلى تفاهات الحياة والانغماس في عوالمها. وكذلك الاستمتاع بالموسيقى الهادئة والصاخبة في آن لأنها تجعلني أتخلص من شخير عالمٍ غارق في أوحال الخراب والجنائز واتساع رقعة القبور. فبدون القراءة لن تستقيم الكتابة وتنقاذ للكاتب.
▪️ شخصية أدبية كنت تودّ تناول القهوة معها، وماذا ستسألها؟
_ أظن سأختار الشاعر أبي العلاء المعري باعتباره شاعرا خارج السرب، ومؤسسا لشعرية عمادها المعرفة الفلسفية والموقف من الذات والوجود ولكونه أكثر بصيرة ورجاحة، ويمتلك فلسفة وجودية تتـأرجح بين الشك واليقين، فضلا عن تبنّيه العزلة خياراً إبداعيّا ووجوديّاً. وكتابه “رسالة الغفران” رحلة خيالية قام بها ابن القارح إلى الجنة والجحيم. لكن ما أثارني فيها قدرة الشاعر على تشكيل عوالم متخيّلة طريفة تعكس حِكَم التّشكيك في المعايير المعتمَدة للحكم على الناس، وانتقاد التعصب الديني والفكري، والدفاع عن اللغة العربية، وطرح قضية الموت والمصير للتأمّل والتدبّر.
أما السؤال الذي سأطرحه عليه هو: ماذا لو استعدتَ بصرك يوما واحدا فقط، ماذا الذي كنت ستفعل به؟
▪️ لو كان للثقافة صوت، كيف تصف نبرته في واقعنا اليوم؟
_ لنكن صرحاء لا صوت للثقافة في العالم العربي الإسلامي، فصوتها مخنوق ومقيّد بالتخلّف والجهل والتأخر الحضاري، ولا أثر له في حياة الناس، لكون الأنظمة الحاكمة لا تفكّر بتاتاً في الثقافة. وعندما يتم تغييب الثقافة يغيّب الإنسان، في المقابل أن هذه الأنظمة تعتني بالعمران. والثقافة مرتبطة بالتفكير أي بالعقل، وبمجرّد غياب العقل يحضر الجهل والأمية والتخلف ومن ثم التخلف التاريخي والحضاري، وهذا هو واقع العالَم العربي الإسلامي الذي لا يفكر ولا ينتج ولا يؤثر لأنه خارج التاريخ وأسئلته وقضاياه.
▪️ ما الذي ينقص المشهد الثقافي في بلدك ليكون أكثر تأثيراً وحيوية؟
_ لا ننكر أن المشهد الثقافي في المغرب يشهد حركية وفاعلية ليس على المستوى المؤسساتي، وإنما على المستوى الفردي، فالمثقف سواء كان مفكراً أو مبدعاً يشتغل بإمكاناته الذاتية من أجل بناء صرح ثقافة تؤمن بالإنسان وتسعى إلى ترسيخ قيم إنسانية نبيلة. لكن هذه الحركية والفاعلية تواجه بممارسات لا تمت بصلة إلى الفعل الثقافي الجاد والهادف من لدن المؤسسات الثقافية الرسمية والمدنية. بل إن أزمة الثقافة سببها الأول والأخير المؤسسة الرسمية وأوهام بعض المثقفين الذين يثيرون الصراعات المجانية داخل الحقل الثقافي، والابتعاد عن القضايا الجوهرية المتعلقة بالثقافة المغربية. وإذا أراد المشهد الثقافي استعادة تأثيره وحيويته على المثقفين التحلي بالأخلاق الحميدة وبخدمة الثقافة المغربية بعيداً عن المصالح الشخصية الآنية وعن الولاءات التي أفقدت المثقف مكانته وجدارته، وقيمة ما ينتج من أفكار ومواقف، وبتبني مشروع ثقافي وطني لخدمة الثقافة المغربية.
▪️ هل الكتابة وسيلة للنجاة أم مجرد توثيق للغرق؟
_ الكتابة رغبة ذاتية محضة، لكنها تتأرجح بين النجاة والغرق. فعندما يصوغ الكاتب عالَماً لغويّاً فهو يعمل جاهدا على احتواء فوضى العالَم وتنظيمها لجعله أكثر جمالا وجلالا، وتنجو عَبْرَهُ الذات. وأعتقد أن النجاة في الكتابة وعيّ عميق من أجل الفهم والتجاوز هذا الغرق المحتمل
▪️ ما هو الأثر الذي ترغب أن يتركه نصك الأخير في قارئ مجهول؟
_ أعتقد أن النص الذي لا يترك أثرا على القارئ الضمني نص ميّتٌ لا يثوي في أعطافه قيماً إنسانية نبيلة يتم تشكيل وفق التجربة الحقيقية والرؤية العميقة.
_____________________________________________
| ▪️ صالح لبريني : شاعر مغربي، مواليد 1970م ينتمي إلى جيل الشعراء الجديد، وهو يمثل صوتا شعرياً متميزا في فضاء القصيدة العربية، بدأ بالنشر في التسعينيات، شارك في العديد من الملتقيات الشّعريّة الوطنية، وقد صدر له حتّى الآن سبعة دواوين شعريَّة، هي: ديوان “حانة المحو” (2015)، ديوان “تغريبة النّاي” (2017)، ديوان “جدير بعزلة الغريب” (2018)، ديوان “الزّنجيّ” (2019)، ديوان “أبديّة كاملة النّقصان” (2022)، ديوان “كورال العابرين” (2022)، ديوان “أدغال تقفز بداخلي” (2023). إضافة إلى كتاب نقدي بعنوان “شعرية المخالفة: قراءات في الشعر العربي المعاصر” (2022). |
