▪️ سليل المنفى الجالس بقرص شمس :
يبدو أن مظفر النواب يحمل جينات المنفى، ويبدو أن المنفى كان قدره، فهو سليل عائلة موسى الكاظم التي هاجرت قديما إلى الهند هربا من بطش العباسيين، وفي الهند أقام الهاربون من سلالة الحسين بن علي بن أبي طالب مجدهم وحكموا منطقة البنجاب وكشمير ولكناو، لكن مقاومتهم للبريطانيين كلفتهم النفي مرة أخرى، فنفيت الأسرة إلى العراق في عهد العثمانيين بعد تمكن الاحتلال البريطاني من إطباق قبضته على الهند.
لقد حمل الشاعر إرث المنفى وظل ثقلا جاثما على صدره، ’’أي إلهي إن لي أمنية أن يسقط القمع بدار القلب/ والمنفيون يعودون إلى أوطانهم/ ثم رجوعي‘‘ هكذا صرخ مظفر النواب ذات شعر، فالشاعر الذي تفتقت موهبته منذ القسم الثاني الابتدائي، كلفته هذه الموهبة غاليا منذ كتب قصيدة للسجناء يدعوهم فيها للصمود، ومن حينها وضع قدمه على طريق السجن والمنفى.
يذكر النوّاب حادثة تجرؤه على كتابة الشعر، ويتذكر إلى أي مدى كان خجولا عندما أوقفه أستاذ اللغة العربية، في سنته الثانية من القسم الابتدائي، عند السبورة وأمره أن يكمل عجز قصيدة يقول يقول صدرها ’’قضينا ليلة ببيت عرس‘‘ فأجاب الطفل الخجول بعد لأي ’’كأنا جالسون بقرص شمس‘‘ ويبدو أنه من ساعتها نبذ خجله ليواجه باللغة العارية الواع البئيس.
وإن حاول النوّاب الإفلات من قدره في فبراير/ شباط سنة 1963، حين توجه لخطبة فتاة، فإن قدره لاحقه في تلك الليلة التي صادفت الانقلاب على رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، ولأن النواب شبيه قدره أيضا، فقد دفع ثمن انتمائه للحزب الشيوعي الذي رفض الانقلاب مما أدى بزعيم الانقلاب عبد السلام عارف إلى شن حملة اغتيالات واعتقالات في صفوف الشيوعين، حملة صرفت النوّاب عن دار الخطبة إلى شق طريق عبر حقول البصرة إلى إيران على أمل الوصول إلى الاتحاد السوفياتي.
لم تكن رحلة النواب باتجاه الجنة الشيوعية موفقة، فقد أوقفه الأمن الإيراني ’’السافاك‘‘على الحدود ليعيده إلى العراق حيث حكم بالسجن المؤبد وانتقل بين عدة سجون قبل أن ينتهي في سجن الحلّة، وهناك فيما يشبه المعجزة، سنة 1967، أفلح معية رفاق الزنزانة في حفر نفق بسكاكين المطبخ في عملية وصفت بعملية الهروب الكبير.
ولم يكن العفو الذي أصدرته السلطات العراقية سنة 1968 ليجعل النوّاب يهنأ بالاستقرار، فلم يمض وقت طويل على عودته إلى داره ووظيفته في سلك التعليم حتى عادت موجة الاعتقالات في صفوف الشيوعيين، ليجد نفسه مجبرا على وضع وطنه في حقيبة والجري في الجهات، وحيثما مر لم تستقر روحه، هذا على الأقل ما لخصه في مناجاة حزينة كقلبه ’’سُبحانَكَ كُلُّ الأشّيَاءُ رَضيتُ سِوى الذُّلْ/ وَأنْ يُوضَعَ قَلبِيَ في قَفَصٍ في بَيْتِ السُلطانْ/ وَقَنِعْتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا.. كَنَصيبِ الطيرْ/ ولكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ/ وتَعوْدُ إليها….وأنا ما زِلّتُ أَطير…/ فهذا الوَّطَنُ المُّمّتَدُ مِنَ البَحْرِ إلى البَحْر/ سُجُوْنٌ مُتَلاصِقَة../ سَجانٌ يُمْسِكُ سَجان‘‘.
▪️ يتيم القبيلة:
من اللافت أن مجمل من تداولوا نداء الاهتمام بالنواب (وليس إنقاذه) هم القراء بينما كانت أصوات المثقفين والشعراء خجولة، مثلما من اللافت أن أشعار النواب لم تلق الاهتمام ’’الأكاديمي‘‘ المناسب، فالرجل رغم غزارة كتاباته وذيوع صيته في الأرجاء يواجه صمتا مريبا وتجاهلا قاسيا من طرف الباحثين والدارسين والنقاد على حد سواء.
والنوّاب نفسه لم يحفل بالأمر، فقد قال في حوار أجرته معه جريدة البيان الإماراتية إن كان يرى أن المشهد الثقافي العربي أنصفه: ’’لا يشغلني كثيراً؛ المشهد الثقافي العربي وما يكتب فيه من نقد، وما يشغلني هو ما يأتيني من مدخل شعري لبداية قصيدة ما … أما بالنسبة لخلو المكتبة العربية أو المشهد الثقافي العربي من كتابات منصفة أو ناقدة أو ظالمة لي؛ فلا يهمني‘‘.
ورغم ’’التجاهل النقدي‘‘ الذي رافق النوّاب، فإنه تمكن من الوصول إلى قلوب الملايين، ففي المغرب مثلا كانت قصائد النواب فاكهة أمسيات الطلبة، وكان صوته المنهك وصراخه يلهب أرجاء الجامعات في الأسابيع الثقافية التي ينظمها اتحاد الطلبة وكان ملح الأمسيات مقطعه ’’القدس عروس عروبتكم/ فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها/ ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها/ وسحبتم خناجركم وتنافختم شرفا/ فما أشرفكم../ أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟‘‘.
وكانت القدس معشوقته المستحيلة، فقد نصب على أسوارها مدفعيته الثقيلة في وجه الأنظمة ولم يتردد في الإعلان أن ’’بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة‘‘، ولم يبرئ أحدا حين قال ’’لا أستثني منكم أحدا قبل أن تعيد المقاومة في الجنوب بعض الدفء إلى قلبه ليعلن ’’ولست قتيل نظام يكشف عن عورتيه فقط/ بل قتيل الجميع/ ولست أبرئ إلا الذي يحمل البندقية قلبًا/ ويطوي عليها شغافه‘‘.
▪️ كوجيطو النوّاب:
وكما واجه الدون كيشوت طواحين الهواء، واجه النوّاب طواحين الأنظمة، فقد وقف يمارس ’’الكوجيطو‘‘ على طريقته، فقد تجلى وجوده في كشف عورات الأنظمة الحاكمة من المحيط إلى الخليج وتعريتها أمام الجماهير التي كانت تهتز مع كلماته المهربة عبر الحدود في أشرطة مسموعة، وحين عتب عليه استعمال كلمات بذيئة رد بهدوء ’’اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية, بعضكم سيقول بذيئة, لا بأس .. أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه‘‘.
عاش النوّاب غاضبا على الأنظمة العربية التي كانت تبادله الكره، لكنه لم يفقد أمله في الشعوب، ولازالت كلماته منذ ستينيات القرن الماضي تصرخ في الأمّة ’’أيتها الأمّة إني أخاطبك بما علمني الدم/ على أي جرح تشد الوثاقا/ وأي القبور تريد عناقا/ وكل الذي حولك مقبرة/ هكذا أمة تتلاقى/ تنادت فلما انتضى فارس سيفه ذبحته اتفاقا/ وأجع من قاتل يمسح المدي/ أن القتيل يموت نفاقا‘‘.
وإن كان النوّاب يعلن غضبه ويلهب صراخه (وسبابه حتى) المنابر، فإن ظل يحمل روح طفل بداخله، طفل أرهقته المنافي وعذبه البعد عن بلاده، وظل الطفل يحمل حلما طفوليا ’’يكون تبرأ مني الزمان الحبيب؟/ لكم كان يكفي قليل من الورق الناعم البالي/ أصنع طائرتي وأهيم بها في الطفولة‘‘، لقد حلم بظائرة ورقية في سماء البصرة، وحلم بقوافل تسير إلى البصرة، كما حلم بسفن تبحر إلى البصرة وهي تنأى في حين تصارع’’لا يوصلك البحر إلى البصرة/ بل يوصلني البحر إلى البصرة/ قلنا لا يوصلك البحر إلى البصرة/ قلت أحمل كل البحر وأوصل نفسي أو تأتي البصرة‘‘.
عاش النوّاب مندورا للتعب والهزيمة حين تأبط قلما وورقة وقف يواجه أنظمة بكامل جبروتها، لكن ما أرهقه لم يكن سوى عذاب النفي فالطفل كان يعدو في مسالكه كأنه ’’عشق تذوق طعم الهزيمة../ آه من العمر بين الفنادق لا يستريح/ أرحني قليلا فإني بدهري جريح‘‘.
لا يخفي عشاق النوّاب وشعره هلعهم من فكرة موته، وخلال السنوات الأخيرة قرأ بنفسه خبر موته عدة مرات، ففي كل مرة كان تعلن جريدة أو موقع إلكتروني خبر موته، لكنه أكد ’’في الحانة القديمة‘‘ قبل عقود: ’’أنا يقتلني نصف الدفء، ونصف الموقف أكثر‘‘.

https://addlinks.pro/iVqtG