الكاتب رساماً || الحلقة الرابعة : لوركا
إعداد : عبد الهادي سعدون _ كاتب ومترجم وشاعر عراقي
لم تعد الحدود الفاصلة بين الأجناس والفنون في النقد الأدبي والفني الحديث حدودًا ثابتة أو نهائية، إذ أصبح من الممكن النظر إلى العمل الإبداعي بوصفه فضاءً تتقاطع داخله أنظمة تعبير متعددة، وتتفاعل فيه الكلمة مع الصورة، والسرد مع التشكيل، والزمن مع المكان. وفي هذا السياق تبرز ظاهرة «الكاتب الرسام» باعتبارها إحدى أكثر الظواهر دلالة على تداخل الفنون، لا من حيث اجتماع موهبتين مستقلتين في شخص واحد فحسب، وإنما من حيث انبثاق التعبيرين الأدبي والتشكيلي عن تجربة جمالية واحدة. فالكاتب الذي يمارس الرسم لا يضيف إلى تجربته الأدبية نشاطًا هامشيًا أو ترفًا جماليًا، وإنما يكشف، من خلال ممارسته البصرية، عن مستوى آخر من مستويات علاقته بالعالم وباللغة وبالذات. ومن هنا يصبح الرسم نصًا موازيًا للكتابة، كما يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها تشكيلًا ذهنيًا للصورة. ولا تعني هذه العلاقة أن اللوحة تتحول إلى شرح للنص، أو أن النص يصبح تعليقًا على اللوحة، بل إن كليهما قد يعمل بوصفه نظامًا مستقلًا للدلالة، مع احتفاظهما بصلات عميقة تنبع من وحدة التجربة الإبداعية. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة حين نضعها في ضوء تجارب عدد من الكتاب والشعراء الذين مارسوا الرسم أو ارتبطت أعمالهم الأدبية ارتباطًا وثيقًا بالفنون البصرية. يفترض هذا البحث أن العلاقة بين الكلمة والصورة في تجربة الكاتب الرسام لا تقوم على التزيين أو التوضيح، وإنما على التفاعل البنيوي بين نظامين من أنظمة التعبير؛ فالكتابة تتحرك في الزمن عبر التتابع، في حين تتيح الصورة إدراكًا مكانيًا أكثر تكثيفًا، ومن ثم يمكن للرسم أن يصبح وسيلة لإظهار ما تعجز اللغة عن قوله بصورة مباشرة، كما يمكن للتكوين البصري أن يؤثر في بناء المشهد والوصف والإيقاع داخل النص الأدبي.
▪️فدريكو غارثيا لوركا :
لقد كتب لوركا (1889 ـ 1936) في كل الأنواع الأدبية والفنية، لكن الأهم في مسيرته الأدبية ما كتبه في المسرح، في أعمال متميزة عديدة منها: “عرس الدم” 1933، “يرما” 1934، “بيت برناردا آلبا” 1936. وكذلك في إصداراته الشعرية العديدة كما عليه في: “كتاب القصائد” 1921، “قصيدة الغناء العميق” 1921، “نشيد إلى سلفادور دالي” 1926، “الأغاني الغجرية” 1928، “شاعر في نيويورك” 1930، “بكائية من أجل إغناثيو سانشيث مخيّاس” 1935، “ديوان التماريت” 1936، وأخرى غيرها. بعد ذلك، هل يحق لنا السؤال من هو فيديريكو غارثيا لوركا؟ ربما نجيب بأنه كان شاعراً ومسرحياً، وأحد أبرز كتّاب جيل عام 27،وعلى الرغم من حياته القصيرة إلّا أنها كانت ممتلئة على الصعيدين الشخصي والمهني. درس الفلسفة والآداب وتخرج في القانون، لكن الحقيقة التي حددت مصيره تماماً كانت إقامته في مدريد، في نزل الطلبة حيث تعرّف، من بين آخرين، على الشاعرين خوان رامون خمينث وأنطونيو ماتشادو، وعلى الرسام سلفادور دالي والسينمائي لويس بونويل. ولعل صداقته مع دالي هي التي نبّهت لمشاغله في فن الرسم، فهو يرسم ويبدع فيه، على الرغم من أنه لم يكرس كل وقته له.

من خلال رسوماته المجموعة في أكثر من كتاب، يمكننا الاقتراب من شخصيته متعددة المواهب والوجوه،والتي تم إسكاتها في العديد من المناسبات لخلاف أيديولوجي أو غيره. يشمل عمل لوركا التصويري في الرسم والتخطيطات العديد من الموضوعات والأشكال التي يعبر من خلالها عن الواقعي والسريالي في أكثر أشكال التعبير حميمية للشاعر والتي نعرفها ونتعرف عليها في قصائده العديدة مثل ديوانه “شاعر في نيويورك” على وجه الخصوص. إذا كانت “الكتابة هي رسم، اتصال بصري تلقائي عبر الكلمة” كما يحدد نقاد ودراسون، فالكتابة الواعية هي نفسها رسم صورة الذات من دون وعي، لذلك عند الكتابة والرسم فإننا نظهر شخصيتنا من دون وعي. لقد رافقت رسومات لوركا حياته كلها وظهرت مجسدة في مجموعات أعماله المسرحية، وفي الرسائل والبطاقات البريدية التي كتبها للعائلة والأصدقاء، وفي إهداءات كتبه، وكذلك الرسوم المرافقة لأعماله الشعرية، ولعل أبرزها لوحة غلاف “الديوان الغجري” 1924، والتي كانت بمثابة استعراض أولي معلن للجمهور. ومع ذلك، أدرك لوركا جهده التشكيلي وأهميته عنده، وذلك في المعارض الفنية التي أقامها بشكل فردي، وأولها في صالة “دالماو”، بمناسبة عرضه لمسرحيته “ماريانا بينيدا” في يونيو/ حزيران 1927، والذي حضره مثقفون وأعضاء من الطليعة الكاتالونية. وفي وقت لاحق في عام 1932،بشكل جماعي مع مجموعة من الرسامين في المعرض الذي أقيم في مدينة وليبه.
عند الحديث عن الرسام لوركا، لا بد لنا من التأكيد على مرحلتين في نتاجه التشكيلي، المرحلة الأولى حوالي عام 1923 التي بدأها بسلسلة من الرسوم الكاريكاتورية، أو الشبيهة بالوجوه “البورتريهات” المشوهة والفكاهية المقصودة الهدف. وبعد ذلك تأتي رسوماته المرافقة للعمل الشعري “الأغاني الغجرية”، عارضاًفيها التفسير الغنائي للإلهام التقليدي والجرأة المجازية، والتي يصل فيها رسماً وشعراً إلى الأعماق الغامضة والمأساوية للعالم الأندلسي والغنائية العميقة. مجموعة كبيرة ومتنوعة من الموضوعات في رسومات لوركا، من بينها رسومات لمهرجين ورسومات لوجوه مكررة وفي أحوال ووضعيات مختلفة بطابع التأمل والحزن والتنبيه.

أما المرحلة الثانية فهي كل تلك الرسوم المتعلقة بالجمهور، أو لها علاقة مباشرة بعروضه المسرحية، وكأنها تخطيطات أولية تشرح مشاهد وشخصيات مسرحياته، سواء كان ذلك له شخصياً أو للمخرجين أنفسهم. كما عليه الرسومات الملونة لمسرحيات مثل: “مرت خمس سنوات”، أو “يرما العاقر” أو “بيت برناردا آلبا” وغيرها. وتدخل في هذه المرحلة أيضاً تخطيطاته ورسوماته المعبرة درامياً، الممثلة تحديداً لعوالم ورموز قصائده في ديوان “شاعر في نيويورك”، وهنا يعتمد لوركا على النموذج السريالي المهيمن في فترته، للتعبير عن ازدرائه بالحضارة الحديثة، إذ جاءت رسوماته بمثابة صرخة احتجاج عالية.

كما هو الحال في شعرية لوركا، تبرز في رسومه الاستعارات ورؤيته الدرامية والأساطير وخرافات المجتمع والحب والجسد والموت والقدر. إن استخدام الرموز بكثرة خاصة تلك المتعلقة بالموت مثل القمر والمياه الراكدة والدم المُراق وغيرها، يكون مختلفاً تبعاً للمعنى المضمر. لبعض الرموز معانٍ مختلفة تبعاً لسياق النص أو خطوط رسوماته: يمكن للقمر، بالإضافة إلى رمز الموت، أن يرمز إلى الخصوبة أو العقم أو الجمال. والجواد والفارس بالإضافة إلى الموت، يمثلان الإثارة الذكورية، والماء الذي يتدفق يمكن أن يمثل الحياة أو أن يمثل الدم كذلك. يستخدم لوركا الرسومات وسيلة للتعبير عن أكثر مشاعره قمعاً في اللاوعي، وفي أقصى حالاته المزاجية، فضلاً عن حاجته للتواصل مع الآخر المفتقد. عبرها يكشف عن العاطفة والمزاج، ومحاولة الإمساك بوسيلة للفهم والتواصل مع الخارج من خلال نقطة أو مظهر حميمي يتعلق بدواخله السرية.

الرسومات الأولى التي رسمها لوركا مرافقة لديوانيه “الأغاني الغجرية” و”الغناء العميق” لها خصائص مشتركة. إذ يبدو فيها لوركا منغلقاً على ذاته، مظهراً فيها المزيد من الصلابة والتوتر العاطفي. وعن لوركا، يقول رافاييل البرتي، الشاعر الصديق وابن جيله: “عندما يمسك أقلام الرصاص الملونة أو نفس القلم الذي كتب به قصائده، يستمر حضوره بنضارة وتدفق: هيئة النافورة وحركة الشارع وابتسامة الباحة وحركة ديك الرياح… من كل ما رآه أو سمعه، كان يخطه ويسطره بعين طفولته التي لم يغادرها أبداً، في غرناطة، مدينته: مزهريات محملة بالأسماك والزهور، عذارى مثقوبة بالخناجر، فتيات على النوافذ والأسطح، ملائكة الأبراج، المهرج واللصوص والبحارة في حالة سكر وفي حالة حب قصوى. كلها من ضمن مواضيع وشخصيات شعره الغنائي والدرامي، حتى زمن القصائد الغجرية، قبل عام من مغادرته إلى نيويورك، وهو الوقت الذي سيغير فيه أسلوبه الفني والشعري، متأثراً بلا شك بالأجواء السريالية المنتشرة بالفعل في جميع أنحاء أوروبا وأميركا على حد سواء”.

الشخصيات في رسوم لوركا عموماً جامدة، شخوص غير مكتملة الملامح. والجسد موجه نحو الأمام رغم أن الرأس مائل إلى جهة معينة، وهذا من شأنه أن يوحي بأن الشاعر يحمي نفسه من العالم، خصوصاً أنه يشعر أحياناً بالتهديد من المجتمع. كما يرمز الرأس إلى موقع الذات، مركز كل المحفزات، وفي كثير من هذه الرسومات يكون صغر الرأس موحياً، ما يلمح إلى حالة وهن أو هزيمة أو انعزال. الوجه هو الصلةالاجتماعية، حيث تظهر العيون والشفاه والحواجب بشكل ملحوظ، ومن الشائع في كل من الرجال والنساء إصراره على رسم الشفاه، بينما ليس لها آذان واضحة. أما الرقبة، وهو الجزء الذي يتناسق فيه الجسم مع الرأس، أي الفكر والشعور، عريضة، ما يدل على الجمود. السمة التي تشمل جميع الرسومات هي أن الذراعين قريبان من الجسم، ما قد يشير إلى صعوبة معينة في الاتصال، والخوف من إظهار الإصراروالتحكم في الانفعالات. ويمكن أن تمثل الشخوص غير المكتملة في أغلب رسومه الضغوط والقيود والمثل العليا. هناك سلسلة من التفاصيل الرمزية التي تُظهر خيالاً ثرياً في كل رسوماته المعروفة، وأيضاً شروحات ونظرات متعددة تتلاقى أو تتنافر، تماماً كما عليه قراءاتنا لقصائده ومسرحياته وآرائه.

إن أيّ قراءة جديدة عن الشاعر الإسباني المعروف غارثيا لوركا، سواء عن شعريته او مسرحياته، لا بد من التوقف في حينه عن أثر العين الفنية الأخرى، أي الرسم وعلاقته بكل النماذج الأدبية الأخرى وعوالمهاالساحرة.. وإذا كان الأغلب نعرفه بحكم تواصلنا وقراءتنا لنتاجه الأدبي، فأي تقرب آخر من عوالمه الأخرى كالموسيقى والرسم والنقد الأدبي، إنما هي معرفة جديدة مضافة لما نعتقد أننا نعرفه عن لوركا وعوالمه وأهوائه وإنجازاته الكبرى والصغرى. جل أعماله التشكيلية هي رحلة جمالية وتحليلية لعوالمه وما يمكننا إدراكه من رموزه وشيفراته المبثوثة هنا وهناك، والتي تتلاقى أغلبها مع رموزه الشعرية والمسرحية وعوالمها الخارقة والتي باتت اليوم على لسان كل واحد منا، وفي ذاكرة كل قارئ معاصر وبأي لغة كانت من اللغات العالمية المعروفة التي ترجمت إليها أعماله.

