الذهب العالمي في مسار صعودي || من صراع القوى إلى ثورة التكنولوجيا
متابعة | مدار 24
▪️تحليل اقتصادي :
تشير التقارير الاقتصادية إلى أن القفزات المتتالية في أسعار الذهب عالمياً لم تعد مجرد انعكاس للتضخم، بل باتت مرآة لتحولات عميقة في الاستراتيجيات الاقتصادية للدول وقفزات نوعية في قطاع التكنولوجيا الحديثة.
إن المسار الصاعد للمعدن الأصفر في السنوات الأخيرة لا يعود فقط لتقلبات الأسواق المالية قصيرة الأمد، بل هو نتاج إعادة تشكيل هيكل القوى العالمية وتنامي دور الذكاء الاصطناعي. لقد رسخ الذهب مكانته في القرن الحادي والعشرين كـ “أصل استراتيجي”؛ فهو أداة للأمن الاقتصادي السيادي، ومادة حيوية في البنية التحتية لتكنولوجيا المستقبل.
▪️عودة الذهب إلى قلب التنافس الجيوسياسية :
على مدار العقدين الماضيين، ساد اعتقاد لدى بعض المحللين بأن أهمية الذهب ستتراجع أمام الأدوات المالية الحديثة. إلا أن الأزمات المالية، والعقوبات، والحروب التجارية أثبتت أن الذهب لا يزال صمام الأمان للاقتصاديات الوطنية.
ووفقاً لتقارير مجلس الذهب العالمي، بلغ الطلب العالمي في عام 2024 نحو 4974 طناً، فيما تجاوزت مشتريات البنوك المركزية حاجز الـ 1000 طن؛ وهو مستوى تاريخي غير مسبوق منذ عقود. واستمر هذا الزخم في عام 2025 مقترباً من مستويات قياسية.
ويأتي هذا التوجه بقيادة قوى مثل الصين وروسيا وتركيا والاقتصاديات الناشئة، في إطار السعي لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتعزيز الاستقلال الاقتصادي. وبذلك، تحول الذهب مجدداً إلى أداة لتعزيز “السيادة الاقتصادية” في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي.
▪️أزمة الثقة في النظام المالي ونمو الطلب الاستثماري :
يلعب المستثمرون دوراً محورياً في هذا الارتفاع؛ إذ أدت الديون الحكومية المتراكمة، والتضخم المزمن، وحالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي إلى عودة الذهب كـ “ملاذ آمن”. إن الإقبال المتزايد على السبائك والعملات الذهبية وصناديق الاستثمار المتداولة يؤكد أن المعدن الأصفر ليس مجرد سلعة، بل أداة تحوط أساسية ضد المخاطر الاقتصادية.
علاوة على ذلك، تؤثر السياسات النقدية الأمريكية وأسعار الفائدة بشكل مباشر على جاذبية المعدن؛ فكلما تراجعت الثقة في العملات الورقية نتيجة تضخم الديون، زاد الزخم الصعودي للذهب.
▪️الذكاء الاصطناعي .. المحرك الهيكلي الجديد :
يلعب الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة دوراً تدريجياً ولكنه “هيكلي” في زيادة الطلب. فالذهب يتميز بناقلية عالية واستقرار كيميائي يجعله عنصراً لا غنى عنه في صناعة أشباه الموصلات والإلكترونيات. وبحسب مجلس الذهب العالمي، سجل الطلب التقني في عام 2024 نحو 326 طناً، مدفوعاً بنمو مراكز البيانات وتجهيزات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن حصة التكنولوجيا من إجمالي الطلب لا تزال محدودة مقارنة بالاستثمار، إلا أنها تمثل “عامل تعزيز طويل الأمد” يزيد من الضغط على المعروض المتاح في الأسواق.
▪️التنافس التكنولوجي والذهب كمادة استراتيجية :
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الذهب مجرد مخزن للقيمة، بل أصبح مادة استراتيجية في سلسلة توريد التكنولوجيا. الصراع العالمي على ريادة صناعة الرقائق الإلكترونية بين أقطاب التكنولوجيا في الصين وتايوان وكوريا الجنوبية ضاعف من استهلاك المعادن النفيسة.
هذا السباق التكنولوجي المحموم لتطوير البنية التحتية الرقمية يمثل دعامة أساسية تدعم أسعار الذهب على المدى البعيد، حيث تحول المعدن إلى جزء من “الأمن التكنولوجي” للدول الصناعية الكبرى.
الخلاصة: تكامل السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا
يمكن القول إن الانفجار في أسعار الذهب هو محصلة تلاقي ثلاثة عوامل كبرى :
* التنافس الجيوسياسي وزيادة احتياطيات البنوك المركزية.
* أزمة الثقة في النظام المالي العالمي.
* الثورة التقنية وزيادة الاستهلاك الصناعي.
لقد بات الذهب اليوم في نقطة التقاء السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا. وإذا كان القرن العشرين هو “قرن النفط”، فإن القرن الحادي والعشرين هو “قرن البيانات والذكاء الاصطناعي والذهب”؛ وهو الثلاثي الذي يعيد صياغة موازين القوى العالمية.
