الليلة الأخيرة في حياة نيكوس كازانتزاكيس || بقلم زوجته هيلين

ترجمة : خالد جبيلي

بقيتُ وحدي بجانب سرير الرجل المريض، ورحتُ أصلّي وأدعو جميع القديسين أن يساعدوني.

“نيكوسمو، نيكوسمو”، قلت له” “إنها الحمّى التي لم تفارقك منذ ثلاثة أيام، تشجّع يا حبيبي، ستزول هذا المساء، وسيُشرقُ فجر يوم غد من جديد، سيكون فجراً رائعاً”.

 

“نعم، نعم”، أومأ نيكوس برأسه، وطلب كوباً من الماء.

“تذكّر برغسون: استجمع كل قواك، أرجوك”.

في يوم السبت ذاك، جاء قسّان إلى غرفتنا، القسّ البروتستانتي، ثم القسّ الكاثوليكي. عندما رآهما نيكوس، أدار وجهه إلى الحائط.

كنتُ ما أزال مفعمة بالأمل، ولم أفكّر في النهاية. قلت أوبخه: “إن ما فعلته يا نيكوس ليس تصرفاً مهذباً، إنه عيد القديس ديميتريس. أراد المسكينان أن يُدخلا إلى قلبك السعادة والطمأنينة”.

لم يقل شيئاً، وأدار وجهه نحوي، وطلب كأساً من الماء مرة أخرى.

“هل تشعر بتحسن يا صغيري؟”

“نعم… نعم”.

“هل يؤلمك أي مكان في جسدك؟”

“لا… لا. أنا عطشان”.

رأيته يضع إصبعه على شفته. ظننتُ أنه يريد أن يحكّها لأن شفته بدأت تلتهب بعد أن عادت إليه الحمّى.

“هل تحكّك؟”

“نعم”، قال نيكوس، وهزّ رأسه هزة خفيفة.

فيما بعد، عرفت أنه كذب عليّ، فقد كان يحاول أن يعرف إلى أي درجة وصل إعتام بصره. فقد أصبحت عيناه بعد بضع ساعات كامدتين.

“نيكوس، نيكوس”، قلتُ وقد اغرورقت الدموع في عينيّ، “هل تسمعني يا حبيبي؟” لم يتحرّك. كان قلبه ما يزال ينبض. أصبح تنفّسه سريعاً وقصيراً. أمسكتُ بيده اليسرى الحريرية، الجافة، ووضعتها على رأسي.

“باركني يا حبيبي…. أعدك بأنني سأسير على الدرب الذي رسمته”.

بقيت يده على رأسي طويلاً – ساخنة، حريرية، ما تزال جافة، كما كنت أحبّها دائماً، ثم عدتُ ووضعتها برفق على الملاءة.

لم يعد لنيكوس كازانتزاكيس وجود. لقد أطبق الخطاف الثاني على سنواتي الثلاث والثلاثين التي عشتها معه بسعادة، ها هي الليلة الثانية من حياتي معه تنتظرني.

اقتربتُ منه، ونظرتُ إليه طويلاً، وأغمضتُ عينيه – تينك العينين الزيتونيتين الصغيرتين الطيبتين اللتين لن تريا الشمس مرة أخرى.

لقد واجه نيكوس الموت كما عاش. لقد أسلم روحه للتو.

“مثل ملك شارك في الاحتفال، نهض وفتح الباب، ودون أن يلتفت إلى الوراء، اجتاز عتبة البيت.

 

مقالات قد تعجبك
اترك تعليق

لن يتم نشر أو تقاسم بريدك الإلكتروني.