“لست من أولئك الذين لهم مسيرة مهنية، بل من أولئك الذين لهم حياة.”
قبل أيام قليلة، لم يمر خبر وفاة الفيلسوف إدغار موران مرورا عابرا، بما يحمله هذا الأسم من ثقل في ساحة الفكر العالمي، في حياة صرفها طوال قرن بالاشتغال في الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسينما، منقبات عن أشمل فهم للإنسان والعالم.
يوصف بأنه مفكر التعقيد بامتياز، ومن أكثر الأصوات فرادة في الساحة الثقافية الفرنسية، ذاكرة القرن، والجد الأكبر للفرنسيين، عن 105 عام ودعنا المثقف والمقاوم إدغار موران، واسدل ستارا عن الفكر الاستيمولوجي المعاصر.
أحد أكبر مفكري القرن العشرين والذي حفر اسمه بأمكانية عالية وذهب ليس مثل غيره بورقة ناصعة دون أن تلطخها الإيديولوجيا المنحرفة أو انجرافات السياسة الحمقاء، وهو يصف نفسه بأنه “متشائم على المدى القصير، متفائل على المدى الطويل.”
وداع موران ليس سهلا على فرنسا وحدها، فهو شخصية استثنائية، واجه تحديات الأنهيار العالمي، وطفرات التكنولوجيا والحروب العبثية التي أنهكت وجدان الشعوب، وقد عاش مناضلا ومدافع عن أفكار نقدية وقفت في صف الإنسانية والحق الإنساني.
وإذا استذكرنا نقده الصريح للأمبريالية ولإسرائيل على وجه الخصوص، والذي أبداه مبكرا دون تزلف أو عداء أو نزعة معاداة للسامية كما اتهمه بعض خصومه، بل عن إنسانية حقة، فقد رفض تحويل دروس الماضي إلى أسلحة لتدمير الحاضر.
عاش موران في عالم مكتظ ب”التلوث الفكري” وهو شاهد على عصر مضطرب، وقد حارب فيه المخالطات والمفارقات الخبيثة، وأنتقد فيه “مذابح الحقيقة” والعقاب الجماعي الذي تفرضه عقليات عقيمة دون اساس واقعي.
احتل إدغار موران مكانة خاصة في مسار الفكر الفرنسي، وكان له وقع خاص بعد الوجودية والبنيوية، حيث وصل إلى ما أسماه “الفكر المركب” وهو البناء الفكري الذي تذوب فيه الحدود الفاصلة حتى بين الفرد والمجتمع.
الأنسان، والعالم ليس سوى شبكة متداخلة، من العقل واللاعقل، ولا يكتفي بأن تمتلك الحقيقة بل أن تشك فيها، ومن يفكر أحمق، ويجب أن نحيا من الموت، وأن نموت من الحياة.
▪️ شيء من سيرته :
ولد إدغار موران واسمه الحقيقي ديفيد ناحوم في مدينة سالونيك عام ١٩٢١م من عائلة يهودية، ذات أصول إيطالية، يونانية، قبل أن تنتقل إلى باريس، حيث كان والده تاجر ملابس في باريس، وتوفيت والدته وهو بعمر العاشرة، وفي بداياته أنضم موران لجمعية الاشتراكيين.
درس القانون والتاريخ في جامعة تولوز كابيتول، وانخرط في الحزب الشيوعي، وعندما اجتاح الألمان فرنسا أنضم موران للمقاومة الفرنسية، ثم انخرط في هيئة أركان الجيش الفرنسي، وفي ذلك الوقت مع اقتراب هزيمة النازيين كتب موران “العام صفر لألمانيا”.
طُرد من الحزب الشيوعي الفرنسي عام ١٩٥١م لانتقاده النهج الستاليني، وكان من مؤسسي لجنة المثقفين المناهضين للحرب في الجزائر، وقد حصل على الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة أجنبية.
أسّس موران وأدار مجلة “أرغمان” عام ١٩٥٤م ومركز الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية “EHESS” في باريس، في عام ١٩٦٠م، وظل عمله متواصلا حتى عام ٢٠٠٢م حيث شارك موران في تأسيس “الهيئة الدولية للأخلاقيات والعلم والسياسة” وفي العام نفسه، سافر إلى إيران برفقة المفكر الإيراني داريوش شايغان.
▪️ آثار إدغار موران :
ترك إدغار موران نحو مئة كتاب تُرجم إلى ثلاثين لغة، في مجالات السيرة الذاتية، وعلم الاجتماع، والفلسفة، ونظرية المعرفة، ودراسات السينما، وعلم الأحياء، وعلم البيئة، والتاريخ، والعلوم، وكتب مثل “النجوم” و “فيدال وأهله” و “شياطيني” تناول فيها بجانب من السيرة الذاتية والسبك الأدبي.
كتاب “المنهج” هو أشهر مؤلفاته وذروة مشروعه الفكري وهو كتاب فلسفي وضعه في 6 مجلدات، يعد من أكبر المشاريع الإبستيمولوجية في الفكر المعاصر، واما كتابه “السينما أو الإنسان المتخيل” الذي أصدره عام ١٩٥٦م، فهو يعد من النصوص المؤسسة في الدراسات السينمائية الحديثة.
بالإضافة إلى ما ترجم للعربية من مؤلفاته : عنف العالم / إلى أين يسير العالم / نحو سياسة حضارية / ثقافة أوروبا وهمجيتها / الفكر والمستقبل مدخل إلى الفكر المركب / المنهج الأفكار مقامها حياتها، عاداتها وتنظيمها / هل نسير إلى الهاوية / تعليم الحياة: بيان لتغيير التربية / المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل / السبيل لأجل مستقبل البشرية / عن الجمال / سبعة مبادئ من علم التعقيد من أجل التربية والتعليم في القرن الحادي والعشرين / التفكير الشامل: الإنسان وكونه / مع ماركس وضد ماركس / لنستيقظ / دروس قرن من الحياة / التفكير شمولياً: البشر وكونهم / من حرب إلى أخرى / العلم والوعي / لحظة أخرى أيضاً.
